موقع يجمع خطب المنبر وتسجيلاته الصوتية ومؤلفاته وكتبه ومقاطع السيرة النبوية الشريفة في مكان واحد.
2026/10/02
2026/09/28
2026/09/25
2026/09/18
2026/09/14
في الذكرى الحادية عشرة لتفجير مسجدي التقوى والسلام أحاول أن أعبِّر بكلماتٍ عمّا يَجول في خاطري من حُزنٍ على إخوان فقدناهم كانوا يُصَلُّون معنا، لم يَدروا أنّ الصلاة في مسجد التقوى كانت مبرراً كافياً لإنهاء حياتهم أو أسى على أطفالٍ كانوا ينتظرون جدَّهم في السيارة خارج المسجد، فتحوّلوا إلى أشلاءٍ مُفَحّمةٍ غابت فيها مَلامِح وجوههم البريئة وخَفَتَت فيها ضَحكاتهم إلى الأبد. أو حسرةٍ على ذلك الرجل الذي حَمَل على كتفه كُتلةً مُسودَّة من اللحم والعظم كانت قبل دقائق نَفْساً تملؤها الحياة والنضارة. وأتساءل في نفسي عن مدى الحِقد الذي قد يَحمله الإنسان في حقِّ أخيه الإنسان، ثم أقارن ما جرى معنا في المسجدَيْن وما يجري اليوم على أهلنا في غزة من مآسي تحمل في طَيّاتها أحزان العالم كله، فتزداد قناعتي بأنّ العِلم البشري إذا خلا من الدِّين والأخلاق صار وبالاً على البشريّة، وكلما تطوّر هذا العِلم كلما ازدادت الإنسانية انحطاطا.
مَدَح الله تعالى المؤمنين بقوله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أي الذين يُنفقون ما يُنفقون من الصدقات ويَفعلون ما يَفعلون من الخيرات وهم مع ذلك يَخافون ألا تُقبَل منهم يوم القيامة، لما قد يكون اعتَراها من تَقصير أو خالطها من عُجبٍ ورياء، لذلك على المُؤمن مهما عَمِل من الصالحات ألا يَقطَع لنفسه بالنَّجاة يوم القيامة بل يبقى على خَوفٍ من عدم القَبول، فإذا رأيت الرجل قد قَطَع لنفسه بالنَّجاة، فاعلم أنه على خطرٍ عظيمٍ.
شَرَع الإسلام الزكَوات لحِكَم كثيرة، منها المحافظة على التوازن في المجتمع، يقول تعالى ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ أي حتى لا يبقى المال محصوراً في الأغنياء، فالمجتمع إذا التزم أغنياؤه بدفع الزكاة حافظ على توازنه، فكلما ازداد الأغنياء غنى كلما تحسَّن وَضعُ الفقراء، وأما إذا بَخِلوا فإنه يَختَلُّ توازنه، فيزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً، مما يُثير البغضاء في المجتمع، وفي الحديث (اتقوا الشُّحَّ، فإن الشُّحَّ أَهْلَك من كان قبلكم، حَمَلهُم على أن سَفَكوا دِماءَهُم، وَاسْتَحَلُّوا محارِمَهُم) .
الجهاد في سبيل الله هو شَرفُ هذه الأمَّة وبه حِفظُ دِينِها ودُنياها، والأمَّة إذا تَسلَّط عليها عدوّها فإنه لن يَتحكّم بسياستها واقتصادها فحسب بل سوف يتحكّم بنظام الأسرة فيها لأنه المِدماكُ الأخير في بُنيان الأمَّة، ولمّا أمر الله تعالى المؤمنين بتربية أولادهم على الدِّين لإنقاذهم من النار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ عَقَّب بعدها بالدعوة إلى الجهاد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ لأنه بالجهاد نَحمي أهالينا من تَسلُّط الأعداء عليهم .
من الناس من إذا ظلمته في الدنيا عفا عنك طمعاً بعفو الله عنه، ومنهم من إذا ظلمته لا يعفو عنك بل يَطمَع بحسناتك في الآخرة مقابل ظُلمك له، وهذا حال أغلب الناس، لذا أرشدنا النبيُّ ﷺ إلى استسماح من ظلمناهم في الدنيا قبل المُجازَفة في الآخرة، ففي الحديث (مَن كَانَتْ له مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أَوْ شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ...) فإذا ظلمت أحداً فسارع إلى استسماحه ولا تتكبَّر، لأنه يرضى منك اليوم ما لا يرضاه غداً .
وسَّع الله على المؤمنين باب الصدقات، إذ لم يَقْصُره على الصدقة بالمال بل عدّاه إلى كلِّ ما ينفع الناس، ففي الحديث (...وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها صدقة، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطريق صدقة)، ومن الحِكمة في ذلك أن يُسَهّل الله على الناس دُخول الجنة بتكثير حسناتهم، وكذلك حتى يَنعم المؤمنون في الدنيا بعيشٍ هانِئ بِحثِّهم على التعاون والتآلُف والتكافُل فيما بينهم .
حضَّ النبيُّ ﷺ أصحابه على الإنفاق في غَزوة تبوك، فتتابع الصحابة على الإنفاق، إلا أنّ واحداً منهم لم يَجِد ما يُنفقه لقِلَّة ذات يده، فقام في الليل يبكي ويقول (اللهم إني أتصَدَّق على كلِّ مسلمٍ بكلِّ مَظلِمة أصابني بها في مالٍ أو جسدٍ أو عِرضٍ) فأخبره النبيُّ ﷺ في اليوم التالي أنّ الله قبل صدقته، وسمّى الله تعالى العافين عن الناس محسنين، لأنهم تَصدّقوا بالعفوِ عمّن أساء إليهم، يقول تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
حذَّر النبيُّ ﷺ أمّته من تكفير المؤمنين، ففي الحديث (ومَن رمى مُؤْمِنًا بكُفْرٍ فَهو كَقَتْلِهِ) أي من قال لرجلٍ مؤمن أنت كافر، مع أنه لم يأتِ بشيء يكفّره شرعاً، فكأنما سفك دمه بغير حقّ، وإذا بُعِث الناس يوم القيامة أتى من رُمِيَ بالكفر يَسوقُ من رماه به، كما يأتي المقتول بقاتله يَسوقُه، حتى يُوقفه بين يَدي ربِّ العزّة ويقول يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلني، فيا أيها العقلاء لا تتسرعوا بتكفير المؤمنين، ولا تُهدوا حسناتكم يوم القيامة لمن رميتموه بالكفر بغير حقّ.
لا بُدَّ للحقِّ حتى يَنتصر من أن تَصحَب حجّته شوكة، يقول تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ...) الآية، أي أنزل الله القرآن بالحجّة وأنزل معه السَّيف حتى ينصر به الحجّة، لأنّ قِوام الحقِّ بكتاب يهدي وسيف ينصر، والناس مهما كانت مطالبهم مُحِقَّة فإنه لا يُسمع لهم إلا إذا كانوا أقوياء، ففي هذا العالم لا يسمع إلا للأقوياء، والقوّة لا تكون إلا بوحدة الصفِّ واجتماع الكلمة على رجل واحد.