موقع يجمع خطب المنبر وتسجيلاته الصوتية ومؤلفاته وكتبه ومقاطع السيرة النبوية الشريفة في مكان واحد.
2026/07/03
2026/06/26
2026/06/05
من الناس من إذا ظلمته في الدنيا عفا عنك طمعاً بعفو الله عنه، ومنهم من إذا ظلمته لا يعفو عنك بل يَطمَع بحسناتك في الآخرة مقابل ظُلمك له، وهذا حال أغلب الناس، لذا أرشدنا النبيُّ ﷺ إلى استسماح من ظلمناهم في الدنيا قبل المُجازَفة في الآخرة، ففي الحديث (مَن كَانَتْ له مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أَوْ شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ...) فإذا ظلمت أحداً فسارع إلى استسماحه ولا تتكبَّر، لأنه يرضى منك اليوم ما لا يرضاه غداً .
وسَّع الله على المؤمنين باب الصدقات، إذ لم يَقْصُره على الصدقة بالمال بل عدّاه إلى كلِّ ما ينفع الناس، ففي الحديث (...وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها صدقة، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطريق صدقة)، ومن الحِكمة في ذلك أن يُسَهّل الله على الناس دُخول الجنة بتكثير حسناتهم، وكذلك حتى يَنعم المؤمنون في الدنيا بعيشٍ هانِئ بِحثِّهم على التعاون والتآلُف والتكافُل فيما بينهم .
حضَّ النبيُّ ﷺ أصحابه على الإنفاق في غَزوة تبوك، فتتابع الصحابة على الإنفاق، إلا أنّ واحداً منهم لم يَجِد ما يُنفقه لقِلَّة ذات يده، فقام في الليل يبكي ويقول (اللهم إني أتصَدَّق على كلِّ مسلمٍ بكلِّ مَظلِمة أصابني بها في مالٍ أو جسدٍ أو عِرضٍ) فأخبره النبيُّ ﷺ في اليوم التالي أنّ الله قبل صدقته، وسمّى الله تعالى العافين عن الناس محسنين، لأنهم تَصدّقوا بالعفوِ عمّن أساء إليهم، يقول تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
حذَّر النبيُّ ﷺ أمّته من تكفير المؤمنين، ففي الحديث (ومَن رمى مُؤْمِنًا بكُفْرٍ فَهو كَقَتْلِهِ) أي من قال لرجلٍ مؤمن أنت كافر، مع أنه لم يأتِ بشيء يكفّره شرعاً، فكأنما سفك دمه بغير حقّ، وإذا بُعِث الناس يوم القيامة أتى من رُمِيَ بالكفر يَسوقُ من رماه به، كما يأتي المقتول بقاتله يَسوقُه، حتى يُوقفه بين يَدي ربِّ العزّة ويقول يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلني، فيا أيها العقلاء لا تتسرعوا بتكفير المؤمنين، ولا تُهدوا حسناتكم يوم القيامة لمن رميتموه بالكفر بغير حقّ.
لا بُدَّ للحقِّ حتى يَنتصر من أن تَصحَب حجّته شوكة، يقول تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ...) الآية، أي أنزل الله القرآن بالحجّة وأنزل معه السَّيف حتى ينصر به الحجّة، لأنّ قِوام الحقِّ بكتاب يهدي وسيف ينصر، والناس مهما كانت مطالبهم مُحِقَّة فإنه لا يُسمع لهم إلا إذا كانوا أقوياء، ففي هذا العالم لا يسمع إلا للأقوياء، والقوّة لا تكون إلا بوحدة الصفِّ واجتماع الكلمة على رجل واحد.
وأما أعلى مراتب النيَّة فهي العَزم ، وهي أن تُحدِّثك نفسك بالشيء حتى يستقِرَّ في نفسك ثم تمضي لتنفيذه ، غير أنه لا يَتِمّ ، فهذا يُحاسب عليه الإنسان، ثواباً إن كان في الخير، أو عقاباً إن كان في الشرِّ ، وفي الحديث (إذا الْتقى المسلمان بسيفَيهما ، فقتل أحدُهما صاحبَه ، فالقاتلُ والمقتولُ في النَّارِ ، قيل يا رسولَ اللهِ هذا القاتلُ ، فما بالُ المقتولِ؟ قال إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه) أي كان عازماً على قتله إلا أنه لم يَتَمكّن ، فالذي مَنَعه من القتل ليس خوفه من الله بل ضعفُه ولو قَدِر لفعل.
وأما المرتبة الوسطى من مراتب النيَّة فهي أن تُحدِّثك نفسك بالأمر حتى تقتنع بتنفيذه غير أنك لم تُباشر تنفيذه بعد ، فهذا هو الهمّ ، وقد دلَّت الأحاديث أنّ من همَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبت له حسنة ، فإن عملها كُتِبت له عشراً إلى سبع مائة ضعف ، وأنّ من همَّ بسيِّئة فلم يعملها ، فإن كان المانع من فعلها عائق حال بينه وبينها لم تُكتَب عليه سيِّئة حتى يعملها ، فإن عملها كُتِبت عليه سيِّئة واحدة ، وأما إن كان المانع من فعلها خوفُه من الله تعالى فهذا تُكتَب له على تركها حسنة .
النيَّة لها عدَّةُ مراتب في الشريعة، المرتبة الأولى وهي أدناها وهي أن تُحدِّثك نفسك بأمر من الأمور دون أن يستقِرَّ في نفسك، فهذا هو حديث النفس، وقد يكون في الخير وقد يكون في الشرِّ، وهذا لا يُثاب عليه الإنسان ولا يُعاقب، ففي الحديث (إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي عَمَّا حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا، ما لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بهِ) .
لقد نجح الفُرس الناقمون على الإسلام بخديعة الشيعة العرب ، فأوهموهم بأنهم مع الحُسَين حتى يجعلوهم مطيَّة لهدم الإسلام ، فتدرجوا بهم من الطعن بقتلة الحُسَين إلى الطعن بجميع الصحابة ، بحجَّة سَلبِهم حقّ عليّ في الخلافة ، ثم توسّعوا إلى الطعن بالسُّنة بحجَّة أنّ رواتها من الصحابة قد ارتدّوا ، حتى وصل الأمر بهم إلى التشكيك بالقرآن ، لزعمهم أنّ الصحابة أخفوا الآيات في ولاية عليّ ، ثم أغروْهم بدعم التتار والصليبيين في قتل أهل السنة ، بحجة الانتقام من قتلة الحُسَين.