مكتبة شاملة لخطب فضيلة الشيخ سالم الرافعي — استمع وحمّل وشارك
قال تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) [سورة الاعراف]
الدرس الحادي عشر
في ست بقين من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة النبوية بعث رسول الله ﷺ حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلّل (جبل يهبط منه الى قديد من ناحية البحر الأحمر) للأوس والخزرج وغسّان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سعد بن زيد الأشهلي لهدمها فخرج في عشرين فارساً حتى انتهى إليها وعليها سادن (خادم)، فقال السّادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك، ويضربها سعد بن زيد الأشهلي فيقتلها، ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه، ولم يجد في خزانتها شيئاً، وانصرف راجعاً إلى رسول اللَّه ﷺ. الخصائص الكبرى للسيوطي و الطبقات لابن سعد. من الملاحظ في هذه السرايا التي وُجهت لهدم هذه الأصنام، أن مناة كانت من نصيب سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه، ولم تكن من نصيب خالد أو عمرو رضي الله عنهما، وسبب ذلك أن مناة هي المقدسة عند الأوس والخزرج، فهدمها واحد من الأوس والخزرج، كما كانت العزى من مقدسات قريش، فكان هدمها على يد خالد رضي الله عنه، وفي ذلك حكمة نبوية، أن يُحَطَّم الصنم ممن كانوا يولونه القداسة والعبادة أكثر من غيرهم.
عن أبو الطفيل رضي الله عنه قال لما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العُزى. وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها، ثم اشتد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول: أيا عز شدي شدة لا شوى لها على خالد ألقي القناع وشمري *** أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا فبوئي بإثم عاجل أو تنصري. فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات (شجرات)، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً. فرجع خالد فلما أبصرت به السدنة -وهم حجبتها- أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى خبليه يا عزى عوريه وإلا فموتى برغم. فأتاها خالد فإذا هي امرأة سوداء عريانة ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عزا كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: تلك العزى. من رواية النسائي، البيهقي وابن اسحاق.
الدرس العاشر
عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُها إلى أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ، قالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسامَةُ فيها، تَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالَ: أتُكَلِّمُنِي في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟! قالَ أُسامَةُ: اسْتَغْفِرْ لي يا رَسولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كانَ العَشِيُّ قامَ رَسولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أنَّهُمْ كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عليه الحَدَّ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها. ثُمَّ أمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بتِلْكَ المَرْأَةِ، فَقُطِعَتْ يَدُها، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُها بَعْدَ ذلكَ وتَزَوَّجَتْ. قالَتْ عائِشَةُ: فَكانَتْ تَأْتي بَعْدَ ذلكَ فأرْفَعُ حاجَتَها إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ. صحيح البخاري
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أنَّه عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا- مِن بَنِي لَيْثٍ، بقَتِيلٍ لهمْ في الجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليهم رَسولَه والمُؤْمِنِينَ، ألَا وإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، ولَا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، ألَا وإنَّما أُحِلَّتْ لي سَاعَةً مِن نَهَارٍ، ألَا وإنَّهَا سَاعَتي هذِه حَرَامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، ولَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إلَّا مُنْشِدٌ، ومَن قُتِلَ له قَتِيلٌ فَهو بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا يُودَى، وإمَّا يُقَادُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ له: أبو شَاهٍ، فَقالَ: اكْتُبْ لي يا رَسولَ اللَّهِ. فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبُوا لأبِي شَاهٍ. ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إلَّا الإذْخِرَ؛ فإنَّما نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وقُبُورِنَا. فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: إلَّا الإذْخِرَ. وتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، عن شَيْبَانَ في الفِيلِ. قالَ بَعْضُهُمْ: عن أبِي نُعَيْمٍ: القَتْلَ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إمَّا أنْ يُقَادَ أهْلُ القَتِيل. صحيح البخاري
الدرس التاسع
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله ﷺ مكة، وقد أهدر دمه فر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له، صمت عنه رسول الله ﷺ طويلا، ثم قال: نعم. فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمت فيقتله. فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا؟ فقال: إن النبي لا يقتل بالإشارة. وفي رواية: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين. قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله، ثم ولاه عثمان. قلت: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح، أو بعد انقضاء صلاتها في بيته. البداية والنهاية لابن كثير
لما دخل رسول الله ﷺ مكة وظهر، انقحمت بيتي وأغلقت عليَّ بابي، وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل أن اطلب لي جوارًا من محمد، وإني لا آمن من أن أقتل، وجعلت أتذكر أثري عند محمد وأصحابه فليس أحد أسوأ أثرًا مني، وإني لقيت رسول الله ﷺ يوم الحديبية بما لم يلحقه أحد، وكنت الذي كاتبته، مع حضوري بدرًا وأحدًا، وكلما تحركت قريش كنت فيها، فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، تؤمنه؟، فقال: نعم، هو آمن بأمان الله، فليظهر، ثم قال رسول الله ﷺ لمن حوله: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فليخرج، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بنافع، فخرج عبد الله إلى أبيه، فقال سهيل: كان والله برًّا، صغيرًا وكبيرًا. مغازي الواقدي، الواقدي
الدرس الثامن
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ هَرَبَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ حَتَّى أَتَى الشُّعَيْبَةَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَيِّدُ قَوْمِي خَرَجَ هَارِبًا لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَخَافَ أَلَّا تُؤَمِّنَهُ، فَأَمِّنْهُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. فَقَالَ: قَدْ أَمَّنْتُهُ. فَخَرَجَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ فِي إِثْرِهِ فَأَدْرَكَهُ فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَبَرِّ النَّاسِ وَأَوْصَلِ النَّاسِ، وَقَدْ أَمَّنَكَ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَنِي مِنْهُ بِعَلَامَةٍ أَعْرِفُهَا. فَرَجَعَ عُمَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: خُذْ عِمَامَتِي. وَهُوَ الْبُرْدُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مُعْتَجِرًا بِهِ، بُرْدُ حِبَرَةَ، فَخَرَجَ عُمَيْرٌ فِي طَلَبِهِ ثَانِيَةً، فَأَعْطَاهُ الْبُرْدَ مَعْرِفَةً. فَرَجَعَ مَعَهُ، فَانْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ جَاءَنِي بِبُرْدِكَ وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ، فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ. قَالَ: انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي. قَالَ: لَكَ تسْيِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. فَنَزَلَ صَفْوَانُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ هَوَازِنَ وَخَرَجَ مَعَهُ صَفْوَانُ وَاسْتَعَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلَاحًا فَأَعَارَهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِأَدَاتِهَا، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي الْغَنَائِمِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَمَعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَجَعَلَ صَفْوَانُ يَنْظُرُ إِلَى شِعْبٍ مُلِئَ: نَعَمٌ وَشَاءٌ وَرِعَاءٌ فَأَدَامَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُهُ فَقَالَ: أَبَا وَهْبٍ، يُعْجِبُكَ هَذَا الشِّعْبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هُوَ لَكَ وَمَا فِيهِ. فَقَالَ صَفْوَانُ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا طَابَتْ نَفْسُ أَحَدٍ بِمِثْلِ هَذَا إِلَّا نَفْسَ نَبِيٍّ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا. الطبقات الكبير لابن سعد