مكتبة شاملة لخطب فضيلة الشيخ سالم الرافعي — استمع وحمّل وشارك
عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: كنَّا بحَضرةِ ماءٍ مَمَرٍّ مِنَ النَّاسِ، وكان يَمُرُّ بنا الرُّكبانُ، فنَسألُهم: ما هذا الأمْرُ؟ ما للنَّاسِ؟ فيَقولونَ: نَبيٌّ يَزعُمُ أنَّ اللهَ أرسَلَه، وأنَّ اللهَ أوْحى إليه كذا وكذا، فجعَلتُ أتلَقَّى ذلك الكَلامَ فكأنَّما يُغْرَى في صَدري بغِراءٍ، يقولُ: أحفَظُه، وكانتِ العَربُ تَلَوَّمُ بإسلامِها الفَتحَ، ويقولونَ: أبصِروه وقَومَه؛ فإنْ ظهَرَ عليهم، فهو نَبيٌّ صادقٌ، فلمَّا جاءنا وَقعةُ الفَتحِ بادَرَ كلُّ قَومٍ بإسلامِهم، فانطلَقَ أبي بإسلامِ أهلِ حِوائِنا ذلك، فقَدِمَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأقامَ عندَه، فلمَّا أقبَلَ من عندِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، تَلقَّيْناه، فلمَّا رَآنا قال: جِئتُكم واللهِ من عندِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَقًّا؛ وإنَّه يَأمُرُكم بكذا وكذا، وقال: صَلُّوا صَلاةَ كذا في حينِ كذا، وصَلاةَ كذا في حينِ كذا، في حينِ كذا، فإذا حضَرَتِ الصَّلاةُ فليُؤَذِّنْ لكم أحدُكم، وليَؤُمَّكم أكثَرُكم قُرآنًا، فنَظَروا في أهلِ حِوائِنا ذلك، فما وَجَدوا أحدًا أكثَرَ قُرآنًا منِّي؛ ممَّا كنتُ أتلَقَّى منَ الرُّكبانِ، فقَدَّمُوني بيْنَ أيْديهم وأنا ابنُ سَبعِ سِنينَ أو سِتِّ سِنينَ، فكانتْ علَيَّ بُرْدةٌ فيها صِغَرٌ، فإذا سَجَدتُ تَقلَّصَتْ عنِّي، فقالتْ امرأةٌ منَ الحَيِّ: ألَا تُغطُّون عنَّا استَ قارئِكم؛ فكَسَوْني قَميصًا من مَعقَدِ البَحرَينِ، فما فَرِحتُ بشيءٍ كفَرَحي بذلك القَميصِ. سنن الدارقطني
الدرس الثاني عشر
عن مجاشع بن مسعود السلمي رضي الله عنه قال أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ بأَخِي بَعْدَ الفَتْحِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ بأَخِي لِتُبَايِعَهُ علَى الهِجْرَةِ. قالَ: ذَهَبَ أهْلُ الهِجْرَةِ بما فِيهَا. فَقُلتُ: علَى أيِّ شَيءٍ تُبَايِعُهُ؟ قالَ: أُبَايِعُهُ علَى الإسْلَامِ، والإِيمَانِ، والجِهَادِ. صحيح البخاري
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنَّ الأنصارَ جمعوا مالًا فأتوا بهِ النَّبيَّ ﷺ فقالوا يا رَسولَ اللَّهِ ابنِ هذا المسجدَ وزيِّنهُ إلى متى نصلِّي تحتَ هذا الجريدِ فقالَ ما بي رغبةٌ عنْ أخي موسى عَريشٌ كعَريشِ موسى. البداية والنهاية لابن كثير
عن معمر عن الزهري قال لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح بعث خالد بن الوليد فقاتل بمن معه صفوف قريش بأسفل مكة حتى هزمهم الله ثم أمر بالسلاح فرفع عنهم فدخلوا في الدين فأنزل الله إذا جاء نصر الله والفتح حتى ختمها. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ: سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأَتُوبُ إلَيْكَ، قالَتْ: قُلتُ يا رَسولَ اللهِ، ما هذِه الكَلِمَاتُ الَّتي أرَاكَ أحْدَثْتَهَا تَقُولُهَا؟ قالَ: جُعِلَتْ لي عَلَامَةٌ في أُمَّتي إذَا رَأَيْتُهَا قُلتُهَا {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ والْفَتْحُ} إلى آخِرِ السُّورَةِ. صحيح مسلم وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال كانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مع أشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمْ وجَدَ في نَفْسِهِ، فَقالَ: لِمَ تُدْخِلُ هذا معنَا ولَنَا أبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟! فَقالَ عُمَرُ: إنَّه مَن قدْ عَلِمْتُمْ، فَدَعَاهُ ذَاتَ يَومٍ فأدْخَلَهُ معهُمْ، فَما رُئِيتُ أنَّه دَعَانِي يَومَئذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ، قالَ: ما تَقُولونَ في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أنْ نَحْمَدَ اللَّهَ ونَسْتَغْفِرَهُ إذَا نُصِرْنَا وفُتِحَ عَلَيْنَا، وسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شيئًا، فَقالَ لِي: أكَذَاكَ تَقُولُ يا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلتُ: لَا، قالَ: فَما تَقُولُ؟ قُلتُ: هو أجَلُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَهُ له، قالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}، وذلكَ عَلَامَةُ أجَلِكَ، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}، فَقالَ عُمَرُ: ما أعْلَمُ منها إلَّا ما تَقُولُ. صحيح البخاري
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال بعث النبيُّ ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ إلى بني جُذيمةَ فدعاهم إلى الإسلامِ فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمْنا فجعلوا يقولون صبأْنا وجعل خالدٌ قتلًا وأسرًا قال فدفع إلى كلِّ رجلٍ أسيرَه حتى إذا أصبح يومنا أمر خالدُ بنُ الوليدِ أن يقتلَ كلُّ رجلٍ منا أسيرَه قال ابنُ عمرَ فقلتُ واللهِ لا أقتلُ أسيري ولا يقتل أحدٌ من أصحابي أسيرَه قال فقدمنا على النبي ﷺ فذكر له صُنعَ خالد فقال النبيُّ ﷺ ورفع يدَيه اللهمَّ إني أبرأُ إليك مما صنع خالدٌ مرَّتين. صحيح البخاري
قال تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) [سورة الاعراف]
الدرس الحادي عشر
في ست بقين من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة النبوية بعث رسول الله ﷺ حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلّل (جبل يهبط منه الى قديد من ناحية البحر الأحمر) للأوس والخزرج وغسّان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سعد بن زيد الأشهلي لهدمها فخرج في عشرين فارساً حتى انتهى إليها وعليها سادن (خادم)، فقال السّادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك، ويضربها سعد بن زيد الأشهلي فيقتلها، ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه، ولم يجد في خزانتها شيئاً، وانصرف راجعاً إلى رسول اللَّه ﷺ. الخصائص الكبرى للسيوطي و الطبقات لابن سعد. من الملاحظ في هذه السرايا التي وُجهت لهدم هذه الأصنام، أن مناة كانت من نصيب سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه، ولم تكن من نصيب خالد أو عمرو رضي الله عنهما، وسبب ذلك أن مناة هي المقدسة عند الأوس والخزرج، فهدمها واحد من الأوس والخزرج، كما كانت العزى من مقدسات قريش، فكان هدمها على يد خالد رضي الله عنه، وفي ذلك حكمة نبوية، أن يُحَطَّم الصنم ممن كانوا يولونه القداسة والعبادة أكثر من غيرهم.
عن أبو الطفيل رضي الله عنه قال لما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العُزى. وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها، ثم اشتد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول: أيا عز شدي شدة لا شوى لها على خالد ألقي القناع وشمري *** أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا فبوئي بإثم عاجل أو تنصري. فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات (شجرات)، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً. فرجع خالد فلما أبصرت به السدنة -وهم حجبتها- أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى خبليه يا عزى عوريه وإلا فموتى برغم. فأتاها خالد فإذا هي امرأة سوداء عريانة ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عزا كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: تلك العزى. من رواية النسائي، البيهقي وابن اسحاق.
الدرس العاشر
عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُها إلى أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ، قالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسامَةُ فيها، تَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالَ: أتُكَلِّمُنِي في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟! قالَ أُسامَةُ: اسْتَغْفِرْ لي يا رَسولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كانَ العَشِيُّ قامَ رَسولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أنَّهُمْ كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عليه الحَدَّ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها. ثُمَّ أمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بتِلْكَ المَرْأَةِ، فَقُطِعَتْ يَدُها، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُها بَعْدَ ذلكَ وتَزَوَّجَتْ. قالَتْ عائِشَةُ: فَكانَتْ تَأْتي بَعْدَ ذلكَ فأرْفَعُ حاجَتَها إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ. صحيح البخاري