مكتبة شاملة لخطب فضيلة الشيخ سالم الرافعي — استمع وحمّل وشارك
الدرس الثامن عشر
عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: إني لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، قال: ورسول الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال العباس، اصرخ: يا لمعشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، قال: فأجابوا لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا. ابن اسحاق و في رواية اخرى عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حُنَيْنٍ، فلَزِمْتُ أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بَغْلَةٍ له بيضاء، فلما التقى المسلمون والمشركون وَلَّى المسلمون مدبرين، فطَفِقَ رسول الله ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكفار، وأنا آخِذٌ بلِجامِ بَغْلَةِ رسول الله ﷺ أَكُفُّها إِرَادَةَ أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخِذٌ برِكاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: أي عباس، نادِ أصحاب السَّمُرَةِ. قال العباس - وكان رجلا صَيِّتًا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمُرَةِ، فوالله لكأن عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عَطْفَةَ البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، فاقتتلوا هم والكفار، والدعوةُ في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قُصِرَتِ الدعوة على بني الحارث بن الخَزْرَجِ، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: هذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ، ثم أخذ رسول الله ﷺ حَصَيَاتٍ فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انْهَزَمُوا ورَبَّ مُحَمَّدٍ، فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما هو إلا أن رماهم بحَصياته، فما زِلْت أرى حَدَّهُم كَلِيلًا وأمرَهم مُدبرًا. صحيح مسلم
الدرس السابع عشر
عن شيبة بن عثمان رضي الله عنه قال: لما كان عام الفتح دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة ، وغزا حنينا، قلت أسير مع قريش إلى هوازن، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة، وتذكرت أبي وقتله حمزة، وعمي وقتله علي بن أبي طالب، فقلت: اليوم أدرك ثأري من محمد، وأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا، فكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته وأصلت السيف، ودنوت منه أريد ما أريد - وفي رواية فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء، فقلت: عمه لن يخذله، فجئته من عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع إلي فيما بيني وبينه شواظ من نار كأنه برق. فخفت أن يتمحشني فوضعت يدي على بصري، خوفا عليه ومشيت القهقرى وعلمت أنه ممنوع. فالتفت إلي وقال: "يا شيب ادن مني" فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: "اللهم أذهب عنه الشيطان". فرفعت إليه رأسي وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي، ثم قال: "يا شيبة قاتل الكفار". قال: فتقدمت بين يديه أحب - والله - أن أقيه بنفسي كل شيء، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله ودخلت عليه فقال: "الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت" ثم حدثني بما هممت به ﷺ. وفي رواية ابن إسحاق : قال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قتل يوم أحد، اليوم أقتل محمدا . قال: فأدرت برسول الله ﷺ لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني. ابن سعد وابن عساكر
الدرس السادس عشر
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف خطوط له مضايق وشعاب. استقبلنا من هوازن شيء ، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط من كثرة السواد، قد ساقوا نساءهم وأبناءهم وأموالهم ثم صفوا صفوفا ، فجعلوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإبل والبقر والغنم، فجعلوها وراء ذلك لئلا يفروا بزعمهم فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالا كلهم، فلما انحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غبش الصبح إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة رجل واحد، فانكشفت أوائل الخيل - خيل بني سليم - مولية وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء وارتفع النقع فما منا أحد يبصر كفه. ابن هشام. عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : خرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين ، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها ، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانحط بهم في الوادي في عماية الصبح. فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم ، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول: "أيها الناس هلموا ، إني أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله" فلا ينثني أحد، وركبت الإبل بعضها بعضا. فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس، ومعه رهط من أهل بيته ورهط من المهاجرين، والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء، وثبت معه علي وأبو سفيان وربيعة ابنا الحارث، والفضل بن عباس وأيمن بن أم أيمن ، وأسامة ومن المهاجرين أبو بكر وعمر. ابن إسحاق
عن سهل ابن الحنظلية الأنصاري رضي الله عنه أنهم سارُوا مع رسولِ اللهِ ﷺ يومَ حُنينٍ فأطنَبوا السَّيرَ حتى كانت عشيةً فحضرتِ الصلاةُ عند رسولِ اللهِ ﷺ فجاء رجلُ فارسٍ فقال : يا رسولَ اللهِ إني انطلقتُ بين أيديكم حتى طلعتُ جبلَ كذا وكذا فإذا أنا بهوازنٍ على بكرةِ آبائهِم بظُعُنهم ونعَمِهم وشائِهم اجتمعُوا إلى حُنينٍ فتبسَّم رسولُ اللهِ ﷺ وقال : تلك غُنَيمةُ المسلمين غدًا إن شاء اللهُ تعالى ثم قال : مَن يحرسُنا الليلةَ قال أنسُ بنُ أبي مَرثدٍ الغَنويُّ : أنا يا رسولَ اللهِ قال فاركبْ فركب فرسًا له فجاء إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال له رسولُ اللهِ ﷺ استقبِلْ هذا الشِّعبَ حتى تكون في أعلاه ولا نُغَرَنَّ من قِبَلِكَ الليلةَ فلما أصبحنا خرج رسولُ اللهِ ﷺ إلى مُصلاَّه فركع ركعتَينِ ثم قال هل أحسَسْتُم فارسَكم قالوا يا رسولَ اللهِ ما أحسَسْناهُ فثُوِّبَ بالصلاةِ فجعل رسولُ اللهِ ﷺ وهو يُصلِّي يلتفت إلى الشِّعبِ حتى إذا قضى صلاتَه وسلَّم قال : أَبشِروا فقد جاءَكم فارسُكم فجعلنا ننظر إلى خلالِ الشَّجرِ في الشِّعبِ فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسولِ اللهِ ﷺ فسلَّم فقال : إني انطلقتُ حتى كنتُ في أعلى هذا الشِّعبِ حيث أمرني رسولُ اللهِ ﷺ فلما أصبحتُ طلعتُ الشِّعبَينِ كِلَيهما فلم أر أحدًا فقال رسولُ اللهِ ﷺ هل نزلتَ الليلةَ ؟ قال : لا إلا مُصلِّيًا أو قاضيًا حاجةً فقال له رسولُ اللهِ ﷺ قد أوجبتَ فلا عليك أن لا تعمل بعدَها. سنن أبو داود
الدرس الخامس عشر
عن أبو واقد الليثي رضي الله عنه قال أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا خرَجَ إلى حنين، مَرَّ بشجرةٍ للمشركينَ يُقالُ لها: ذاتُ أَنْواطٍ، يُعلِّقونَ عليها أسلحتَهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ اجعَلْ لنا ذاتَ أَنْواطٍ كما لهم ذاتُ أَنْواطٍ، فقال النبيُّ ﷺ: سُبحانَ اللهِ! هذا كما قال قَومُ موسى: "اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ" [الأعراف: 138]، والذي نَفْسي بيدِه، لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَن كان قَبلَكم. صحيح الترمذي
الدرس الرابع عشر
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة ، جمعها مالك بن عوف النصري فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ، واجتمعت نصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا ، وفي ثقيف سيدان لهم. وفي الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به، فلما نزل قال: بأي واد أنتم ؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير. ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالك ؟ قيل : هذا مالك ودعي له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به. ثم قال: راعي ضأن والله وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، ولو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر، لا ينفعان ولا يضران، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك قد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك. والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي؟ فقالوا: أطعناك، فقال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني: يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع
الدرس الثالث عشر