مكتبة شاملة لخطب فضيلة الشيخ سالم الرافعي — استمع وحمّل وشارك
لما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم . ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة ، وزعم لي غيره أنها سارة ، مولاة لبعض بني عبدالمطلب وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت به .
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان ؛ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه ؛ فقال : يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت : بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس ، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ قال : والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر . ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ، فلم يرد عليه شيئاً ، ثم ذهب إلى أبي بكر ، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ، فقال : ما أنا بفاعل ، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال : أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به . ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها ، وعندها حسن بن علي ، غلام يدب بين يديها ، فقال : يا علي إنك أمس القوم بي رحماً ، وإني قد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائباً ، فاشفع لي إلى رسول الله ؛ فقال : ويحك يا أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه . فالتفت إلى فاطمة ، فقال : يا ابنة محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين الناس ، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني ؛ قال : والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك ؛ قال : أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً ؟ قال : لا والله ، ما أظنه ، ولكني لا أجد لك غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس إني أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره فانطلق ، فلما قدم على قريش ، قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمداً فكلمته ، فوالله ما رد علي شيئاً ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فلم أجد فيه خيراً ، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو قال ابن هشام : أعدى العدو . قال ابن إسحاق : ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بشيء صنعته ، فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئاً أم لا ؟ قالوا : وبم أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ، ففعلت ؛ قالوا : فهل أجاز لك محمد ؟ قال : لا ، قالوا : ويلك ! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنك ما قلت . قال : لا والله ، ما وجدت غير ذلك .
فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ، وأصابوا منهم ما أصابوا ، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة ، وكانوا في عقده وعهده ، خرج عمرو بن سالم الخزاعى ، ثم أحد بني كعب ، حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة.
عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وغيرهم من علمائنا: أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده. فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رزن، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل، وهو يومئذ قائدهم، وليس كل بني بكر تابعه حتى بيت خزاعة وهم على الوتير، ماء لهم، فأصابوا منهم رجلاً، وتحاوزوا واقتتلوا. ورفدت بني بكر قريش بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال: كلمة عظيمة، لا إله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؛ وقد أصابوا منهم. فلما دخلت خزاعة مكة، لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له رافع. ابن إسحاق
قال عمرو: فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه. فقلت: يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟، قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب فعد رجالاً"
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ـ فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً.
فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَجَعَلَ مَعَهُ رَايَةً سَوْدَاءَ وَبَعَثَهُ فِي ثَلاَثِمِئَةٍ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَعَهُ ثَلاَثُونَ فَرَسًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنْ بَلِيِّ وَعُذْرَةَ وَبَلْقَيْنَ ، فَسَارَ اللَّيْلَ . وَكَمَنَ النَّهَارَ فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْقَوْمِ بَلَغَهُ أَنَّ لَهُمْ جَمْعًا كَثِيرًا فَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مَكِيثٍ الْجُهَنِيَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتَمِدُّهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فِي مِئَتَيْنِ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَبَعَثَ مَعَهُ سَرَاةَ الْمُهَاجِرِينِ وَالأَنْصَارِ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمْرٍو وَأَنْ يَكُونَا جَمِيعًا وَلاَ يَخْتَلِفَا. فَلَحِقَ بِعَمْرٍو فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّمَا قَدِمْتَ عَلَيَّ مَدَدًا وَأَنَا الأَمِيرُ فَأَطَاعَ لَهُ بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ. الطبقات الكبير لابن سعد
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: بَعَثَ إليَّ النَّبيُّ ﷺ، فقال: خُذْ عليك ثيابَك وسِلاحَك، ثم ائْتِني فأتَيتُه، فقال: إنِّي أُريدُ أنْ أبعَثَك على جَيشٍ، فيُسلِّمُك اللهُ ويُغنِّمُك، وأرغَبُ لك من المالِ رَغبَةً صالِحَةً، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما أسلَمْتُ من أجلِ المالِ بل سَالَمْتُ رَغبَةً في الإسلامِ، قال: يا عَمْرُو، نِعمَ المالُ الصَّالِحُ للمَرءِ الصَّالِحِ. أخرجه أحمد
عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، قالَ: لَمْ أزَلْ حَرِيصًا علَى أنْ أسْأَلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِن أزْوَاجِ النَّبيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قالَ اللَّهُ لهمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، فَحَجَجْتُ معهُ، فَعَدَلَ وعَدَلْتُ معهُ بالإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ حتَّى جَاءَ، فَسَكَبْتُ علَى يَدَيْهِ مِنَ الإدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقُلتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِن أزْوَاجِ النَّبيِّ ﷺ اللَّتَانِ قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لهمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]؟ فَقالَ: واعَجَبِي لكَ يا ابْنَ عَبَّاسٍ! عَائِشَةُ وحَفْصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَسُوقُهُ، فَقالَ: إنِّي كُنْتُ وجَارٌ لي مِنَ الأنْصَارِ في بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ -وهي مِن عَوَالِي المَدِينَةِ- وكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ علَى النَّبيِّ ﷺ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِن خَبَرِ ذلكَ اليَومِ مِنَ الأمْرِ وغَيْرِهِ، وإذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا علَى الأنْصَارِ إذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِن أدَبِ نِسَاءِ الأنْصَارِ، فَصِحْتُ علَى امْرَأَتِي، فَرَاجَعَتْنِي، فأنْكَرْتُ أنْ تُرَاجِعَنِي، فَقالَتْ: ولِمَ تُنْكِرُ أنْ أُرَاجِعَكَ؟! فَوَاللَّهِ إنَّ أزْوَاجَ النَّبيِّ ﷺ ليُرَاجِعْنَهُ، وإنَّ إحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليومَ حتَّى اللَّيْلِ، فأفْزَعَنِي، فَقُلتُ: خَابَتْ مَن فَعَلَ منهنَّ بعَظِيمٍ! ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَدَخَلْتُ علَى حَفْصَةَ، فَقُلتُ: أيْ حَفْصَةُ، أتُغَاضِبُ إحْدَاكُنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ اليومَ حتَّى اللَّيْلِ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، فَقُلتُ: خَابَتْ وخَسِرَتْ، أفَتَأْمَنُ أنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسولِهِ ﷺ، فَتَهْلِكِينَ؟! لا تَسْتَكْثِرِي علَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ، ولَا تُرَاجِعِيهِ في شَيءٍ، ولَا تَهْجُرِيهِ، واسْأَلِينِي ما بَدَا لَكِ، ولَا يَغُرَّنَّكِ أنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هي أوْضَأَ مِنْكِ، وأَحَبَّ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ -يُرِيدُ عَائِشَةَ- وكُنَّا تَحَدَّثْنَا أنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَومَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وقالَ: أنَائِمٌ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِ، وقالَ: حَدَثَ أمْرٌ عَظِيمٌ، قُلتُ: ما هُوَ؟ أجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قالَ: لَا، بَلْ أعْظَمُ منه وأَطْوَلُ؛ طَلَّقَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، قالَ: قدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وخَسِرَتْ، كُنْتُ أظُنُّ أنَّ هذا يُوشِكُ أنْ يَكونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مع النَّبيِّ ﷺ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً له، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ علَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هي تَبْكِي، قُلتُ: ما يُبْكِيكِ؟ أوَلَمْ أكُنْ حَذَّرْتُكِ؟! أطَلَّقَكُنَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ؟ قالَتْ: لا أدْرِي، هو ذَا في المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ المِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ معهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتي هو فِيهَا، فَقُلتُ لِغُلَامٍ له أسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، فَكَلَّمَ النَّبيَّ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: ذَكَرْتُكَ له، فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ، حتَّى جَلَسْتُ مع الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَجَلَسْتُ مع الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجِدُ، فَجِئْتُ الغُلَامَ فَقُلتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا ولَّيْتُ مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلَامُ يَدْعُونِي قالَ: أذِنَ لكَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلْتُ عليه، فَإِذَا هو مُضْطَجِعٌ علَى رِمَالِ حَصِيرٍ ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ فِرَاشٌ، قدْ أثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبِهِ، مُتَّكِئٌ علَى وِسَادَةٍ مِن أدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عليه، ثُمَّ قُلتُ وأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إلَيَّ، فَقالَ: لَا، ثُمَّ قُلتُ وأَنَا قَائِمٌ: أسْتَأْنِسُ يا رَسولَ اللَّهِ، لو رَأَيْتَنِي وكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا علَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ، فَتَبَسَّمَ النَّبيُّ ﷺ، ثُمَّ قُلتُ: لو رَأَيْتَنِي ودَخَلْتُ علَى حَفْصَةَ، فَقُلتُ: لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هي أوْضَأَ مِنْكِ، وأَحَبَّ إلى النَّبيِّ ﷺ -يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي في بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ ما رَأَيْتُ فيه شيئًا يَرُدُّ البَصَرَ غيرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ علَى أُمَّتِكَ؛ فإنَّ فَارِسَ والرُّومَ وُسِّعَ عليهم، وأُعْطُوا الدُّنْيَا وهُمْ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وكانَ مُتَّكِئًا فَقالَ: أَوَفِي شَكٍّ أنْتَ يا ابْنَ الخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لهمْ طَيِّبَاتُهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي. فَاعْتَزَلَ النَّبيُّ ﷺ مِن أجْلِ ذلكَ الحَديثِ حِينَ أفْشَتْهُ حَفْصَةُ إلى عَائِشَةَ، وكانَ قدْ قالَ: ما أنَا بدَاخِلٍ عليهنَّ شَهْرًا؛ مِن شِدَّةِ مَوْجَدَتِهِ عليهنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وعِشْرُونَ دَخَلَ علَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بهَا، فَقالَتْ له عَائِشَةُ، إنَّكَ أقْسَمْتَ أنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وإنَّا أصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً أعُدُّهَا عَدًّا، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، وكانَ ذلكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وعِشْرِينَ، قالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بي أوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقالَ: إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولَا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حتَّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: قدْ أعْلَمُ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكونَا يَأْمُرَانِي بفِرَاقِكَ، ثُمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] إلى قَوْلِهِ: {عَظِيمًا} [الأحزاب: 29]، قُلتُ: أفِي هذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ فإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسولَه والدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ ما قالَتْ عَائِشَةُ. البخاري
عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثني من سَمَعَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إنا لجلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو فيه اليوم، ثم قال رسول الله ﷺ: "كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة، ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منَّا اليوم، نتفرغ للعبادة، ونكفي المؤنة. فقال رسول الله ﷺ: أنتم اليوم خير منكم يومئذ.
قال عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه: لما بلغني خروج رسول الله ﷺ، فكرهت خروجه كراهة شديدة، خرجت حتى وقعت ناحية الروم، وقال يعني يزيد ببغداد، حتى قدمت على قيصر، قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهيتي لخروجه، قال: فقلت: والله، لولا أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبا لم يضرني، وإن كان صادقا علمت، قال: فقدمت فأتيته، فلما قدمت قال الناس: عدي بن حاتم، عدي بن حاتم. قال: فدخلت على رسول الله ﷺ، فقال لي:" يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم" ثلاثا، قال: قلت: إني على دين، قال: "أنا أعلم بدينك منك" فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟" قلت: بلى، قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك"، قال: فلم يعد أن قالها، فتواضعت لها، فقال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب. أتعرف الحيرة؟" قلت: لم أرها، وقد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر، حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز " قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: " نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد " قال عدي بن حاتم: " فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله ﷺ قد قالها ". مسند أحمد
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللهﷺ: إنَّ رجلًا كان قبلَكم، رَغَسَهُ اللهُ مالًا، فقال لِبَنيهِ لمَّا حضَر: أيُّ أَبٍ كنتُ لكُم؟ قالوا: خيرَ أَبِ، قال: إنِّي لَم أعملْ خيرًا قطُّ، فإذا مِتُّ فاحْرِقوني، ثمَّ اسْحَقوني، ثمَّ ذَرُّوني في يومٍ عاصِفٍ، ففَعلوا، فَجَمعَه اللهُ، فقال: ما حمَلكَ؟ قال: مَخافتَكَ، فَتلَقَّاه برحمتِهِ. صحيح الجامع